ابن كثير
133
البداية والنهاية
وقال ابن دريد عن الرياشي عن محمد بن سلام قال : رأت جارية للمنصور ثوبه مرقوعا فقالت : خليفة وقميص مرقوع ؟ قال : ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة : قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه * خلق وبعض قميصه مرقوع وقال بعض الزهاد ( 1 ) للمنصور : أذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة مثلها ، واذكر ليلة تمخض عن يوم القيامة لا ليلة بعدها فأفحم المنصور قوله فأمر له بمال . فقال : لو احتجت إلى مالك ما وعظتك . ومن شعره لما عزم على قتل أبي مسلم : إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة * فإن فساد الرأي أن يترددا ولا تمهل الأعداء يوما لغدرة * وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا ولما قتله ورآه طريحا بين يديه قال : قد اكتنفتك خلات ثلاث * جلبن عليك محتوم الحمام خلافك وامتناعك من يميني * وقودك للجماهير العظام ومن شعره أيضا : المرء يأمل أن يعيش * وطول عمر قد يضره تبلى بشاشته ويبقى * بعد حلو العيش مره وتخونه الأيام حتى * لا يرى شيئا يسره كم شامت به إن هلكت * وقائل لله دره قالوا : وكان المنصور في أول النهار يتصدى للامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والولايات والعزل والنظر في مصالح العامة ، فإذا صلى الظهر دخل منزله واستراح إلى العصر ، فإذا صلاها جلس لأهل بيته ونظر في مصالحهم الخاصة ، فإذا صلى العشاء نظر في الكتب والرسائل الواردة من الآفاق ، وجلس عنده من يسامره إلى ثلث الليل ، ثم يقوم إلى أهله فينام في فراشه إلى الثلث الآخر ، فيقوم إلى وضوئه وصلاته حتى يتفجر الصباح ، ثم يخرج فيصلي بالناس ، ثم يدخل فيجلس في إيوانه . وقد ولى بعض العمال على بلد فبلغه أنه قد تصدى للصيد وأعد لذلك كلابا وبزاة ، فكتب إليه ثكلتك أمك وعشيرتك ، ويحك إنا إنما استكفيناك واستعملناك على أمور المسلمين ، ولم نستكفك أمور الوحوش في البراري ، فسلم ما تلي من عملنا إلى فلان والحق بأهلك ملوما مدحورا . وأتي يوما بخارجي قد هزم جيوش المنصور غير مرة فلما وقف بين يديه قال له المنصور : ويحك
--> ( 1 ) هو عمرو بن عبيد كما في مروج الذهب وأمالي المرتضى ووفيات الأعيان .